علي بن أحمد المهائمي

577

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

على إثبات الصانع ؛ لأن بطلان تأثير المعدوم في إيجاد الشيء معلوم بالضرورة ، وإنما يتصور له التأثير في تخصيص الموجود بوجه خاص مثل تأثير عدم السواد في المحل بقبوله البياض أو غيره من الألوان . [ وإذا كان الأمر في العلّية بهذه المثابة ، فما ظنّك باتّساع النّظر العقلي في غير هذا المضيق ؟ فلا أعقل من الرّسل صلوات اللّه عليهم ، وقد جاءوا بما جاءوا به في الخبر عن الجناب الإلهي ، فأثبتوا ما أثبته العقل ، وزادوا بما لا يستقلّ العقل بإدراكه ، وما يحيله العقل رأسا ، ويقرّ به في التّجلّي الإلهي ، فإذا خلا بعد التّجلّي بنفسه حار فيما رآه ؛ فإن كان عبد ربّ ردّ العقل إليه ، وإن كان عبد نظر ردّ إلى حكمه ، وهذا لا يكون إلّا ما دام في هذه النّشأة الدنيوية محجوبا عن نشأته الأخروية في الدّنيا ؛ فإنّ العارفين يظهرون هاهنا كأنّهم في الصّور الدنيوية لما يجري عليهم من أحكامها ، واللّه تعالى قد حوّلهم في بواطنهم في النّشأة الأخروية ، لا بدّ من ذلك ، فهم بالصّورة مجهولون إلّا لمن كشف اللّه عن بصيرته فأدرك ، فما من عارف باللّه من حيث التّجلّي الإلهيّ إلّا وهو على النّشأة الآخرة ، قد حشر في دنياه ونشر من قبره ؛ فهو يرى ما لا يرون ويشهد ما لا يشهدون ، عناية من اللّه تعالى ببعض عباده في ذلك ] . ثم بالغ في بيان قصور العقل من حيث نظره الفكري ( في العلية ) ، أي : كون المعلول علة لعلته ( بهذه المثابة ) من الضيق مع أنها ليست من المضايق المحيرة ، ( فما ظنك باتساع النظر العقلي في غير هذا المضيق ؟ ) مما يحير العقول ، وينهر الألباب ، فإذا كان في النظر العقلي هذا القصور ، فالكامل لا يقف معه إذا كوشف بما لا يستقل به ، ولا يحيله أيضا ، بل يأخذ بكشفه ، ويعرف قصور العقل ، فذلك كمال عقله ، ( فلا أعقل من الرسل ) لثناء اللّه عليهم ، إذ عرفوا كمال الكشف ، وعدم استقلال العقل بأكثر الأمور ، وإن كلامنا فإنه بمثابة الميزان الذي يوزن به اللآلئ وزن الجبال ؛ ولذلك ( قد جاءوا بما جاءوا به ) ( عن الخطاب الإلهي ) بالكشف عن علمه ، ( فأثبتوا ما أثبته العقل ) إذ عرفوا بالعقل صحة مقدماته ، إذ يعتبر الاطلاع عليها قبل ذلك لقصور العقل ، ( وزادوا ما لا يستقل العقل بإدراكه ) ، فعجز عن إقامة البرهان على إثباته ، ولكن ( ما يحيله العقل رأسا ) ؛ لأنه صادق في كل ما يحكم بالمقدمات البينة في العقل ، وإن لم ( يقر به ) استغلالا يقر به ( في ) وقت ( التجلي ) ؛ لأنه لا يقدر على إنكار المحسوسات ما لم يكن عنده برهان قاطع على استحالته ، والأمر الكشفي حين الكشف في معنى المحسوسات ؛ لكونه من الوجدانيات . ومع ذلك ( فإذا خلا ) العبد ( بعد ) زوال ( المتجلي ) الموجب لإفراده بنفسه ليقيم عليه البرهان النظري ( حار فيما رآه ) ؛ لأنه كالمنكر لما فوق طوره ، وقد زال المعارض له ،